Author Archives: Delal Khalifa

Titleالمطالب الثلاثة عشر

 

ما أجمل البهجة والأمل على أيّ وجه, خاصة إن كان هذا الوجه لإنسان طيبٍ يسعى دائماً للخير والسلام مثل وجه الشيخ صباح أمير دولة الكويت الذي لا يستطيع أحدٌ أن ينسى سعيه وهو صائم ومتوعِّك من بلد إلى بلد من أجل حلّ أزمةٍ لم يكن طرفاً فيها. البارحة وددت لو كان في الإمكان تعزيز ذلك الأمل على وجهه, ولكن, ربما لم يكن الأوان قد آن بعد..

ثمة معوقات في طريق تنفيذ الثلاثة عشر بنداً التي تحتويها قائمة المطالب. أعلم أنّ عدداً منها مستحيل التحقيق لارتباطه بالسيادة, ولكني تساءلت, ألم تكن ثمة وسيلة للدفع بعجلة المصالحة؟ بحثت عن القائمة في الشبكة وقرأتها ثانيةً, لمعلوماتي الخاصة. بدت شديدة الصعوبة. ثم علمت ما المشكلة, أو بالأحرى, المشكلات التي تعوق تنفيذها..

المشكلة الأولى تكمن في نبرتها: إن بها نبرة فوقيّة مستفزّة. طرفٌ واحد عليه أن ينفذ رغبات باقي الأطراف, أو بالأحرى أوامرهم. إنها ليست لائحة مطالب بقدر ما هي خلاصة جلسةٍ تأديبيّة. وهنا تأتي المشكلة الثانية: إنها طريقة العرض. مثل هذه المطالب لا ينبغي أن تأتي هكذا مستقلةً عن مذكرةٍ أو تقرير يسبقها وتذيّله هي كخلاصةٍ بعد الحديث عن دواعي كل مطلبٍ في هذه المذكرة أو التقرير, فالمطلب يأتي كحل لمشكلة تُعرض أولاً في مذكرةٍ ليكون مبرراً ومقبولاً.

وهنا تأتي المشكلة الثالثة: لا يمكن ذكر حالة نتج عنها مطلبٌ بهذا الشكل الارتجالي, ومن دون أن يثبت بالدليل صحّة هذه الحالة أو بالأحرى, التهمة. لو عاقبتَ طفلاً عقوبةً ما لَلزِم أن تخبره بما فعل ليستحق العقاب, ولذكرت له تفاصيل ما فعل ليكون سلوكك تربوياً ومجدياً, فكيف “تعنف” دولة أو تعاقبها بإجراءٍ ينفَّذ بشكلٍ عدائيٍّ ومفاجيء ثم لا تذكر لها ما استأت منه كدولةٍ أو مجموعة دولٍ في أيّة مذكّرة, وإنما تكتبه على هيئة مطالب. ثم إنك ينبغي أن ترتب أفكارك بحيث تفصل بين ما يشكّل للطرف المعاقَب ضرورة وبين ما هو رفاهية, وفي حالة الدول بين ما هو سيادي لا يحق المساس به وبين ما يعامل معاملة الرفاهية التي من الممكن الاستغناء عنها.

وهنا تأتي المشكلة الرابعة: إن الدول المعاقِبة أو المحاصرة لم تُفرّق بين ما هو سيادي وما هو دون ذلك, وهذه سمة من سمات الاستعلاء والشعور بالفوقية. إن قطر أيها الأخوة المحاصِرون, أو لنثبت حسن النية فنقول المقاطِعون, ليست طفلكم الذي أساء الأدب ليصبح لديكم الحق الكامل في الوصاية عليه وتحديد احتياجاته وعلاقاته ومقتنياته.

تعاملات قطر مع قوات أي بلدٍ شقيقٍ أوصديق شأن داخلي, وليس لكم فيه إلا ما لها في قواتكم: عدم التعرض لكم كما عليكم عدم التعرض لها, كما هو الحال في جميع التحالفات, وحتماً كما تقتضي عضوية مجلس التعاون. وكذلك علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية هي حرّة فيها. ثم ألم يصبح هذا البند لاغياً بعد أن عادت العلاقات وقويت دبلوماسياً بينكم وبين إيران التي اقتضى بندان تخفيض العلاقات معها؟ ومن قبل أن تُقوّى العلاقات الدبلوماسية بها ألم تكن علاقاتكم الاقتصادية معها هي الأقوى؟ وهنا يبرز عنصر الاستعلاء القبيح مرة أخرى في الرسالة الضمنية إلينا: “نحن أحرار نفعل ما نشاء أما قطر فـأيضاً تفعل ما.. نشاء نحن لا هي!”

“منابرنا الإعلامية تستطيع أن تلفق ما تشاء من الأخبار عنكم وتستطيع أن تعلم أجيالاً وأجيالاً في فنون الفبركة والكذب عن طريق ما نفبركه عنكم أما منابركم فيمنع عليها في سبيل الدفاع عن نفسها حتى أن تتحدث عن أخبارنا التي لا نحب إذاعتها, فإذا فعلت فهي قناة فتنة يجب أن تغلق! بعكس قنواتنا التي تستطيع أن تفعل ما تريد.”

أما مطلب التعويض المالي فهو أيضاً مطلب غريب. كيف تفتعلون مشكلة تكلف الجميع مليارات الريالات أو الدنانير ثم تفرضون على قطر أن تعوضكم ما تسببتم فيه أنتم لها ولكم؟ بأيّ منطق؟ فقط لافتراضكم أنّها موّلت إرهاباً على أراضيكم؟ هاتوا برهانكم إذاً! وهنا أيضاً نرى نقطة استعلاء أخرى: “نحن نموّل مجموعات, نغيّر أنظمة, نغزو بلاداً, ونقتل كثيراً من أبنائها بنيراننا “الصديقة” ونحتلّ أجزاءً من أراضيها ونغلق منافذها, أما أنتِ يا قطر فلا ينبغي لكِ أن تدعمي أي جهة ترين الحق معها. فنحن الذين نريكِ ما نرى ونهديك سبل الرشاد! وإذا دعمتِ رئيساً من جماعة الإخوان التي نكرهها جاء بانتخابٍ واشترطتِ أن ينفق دعمكِ في تنمية بلاده واستقرارها, لا تنميته هو وبطانته, ودعمتِ مقاومةً توقفنا عن دعمها فقط منذ أشهر فأنتِ قد موَّلتِ الإرهاب, وستبقى هذه وصمة في جبينك إلى الأبد!”

“وسنسوّئ سمعتك في العالم وعند شعوبنا وسنجعلها تكره شعبك وتتوعده في كل مكان وتغني ضدك. أما نحن فلنا أن نمول ونقلب وننحاز ونغزو ونتدخل في شؤون الدول كما نشاء.. وبالمناسبة, نحن نستطيع أن نتدخل في شؤونك أنت أيضاً ونخلع أميرك الذي يحبه شعبك ونضع مكانه أميراً نستطيع أن نملي عليه ما نشاء لأنك ستكونين عندئذٍ مستعمرتنا”.. الاستعلاء العفن ذاته!

نصيحتي للدول المقاطعة, إن كنتم تفضلون هذا التعبير, أن تدقق فيمن تختارهم كمستشارين وسفراء. لم نسمع قبل الأزمة عن مستشارين ولا سفراء يهددون ويتوعدون ويتحدثون باستعلاء. كان المستشارون دائماً, رجالٌ أو نساء, رجالَ ظلٍ في الغالب, من النادر أن يعرفهم أحد, وكانوا دائماً يتحلون بالحكمة, لا يجيّشون إليكترونيا ولا يؤججون الفتنة بين الشعوب. وكان السفراء دائماً دعاة سلام بين بلدهم وباقي البلدان, لا يغردون بما ينسف العلاقات بينها وبين بلادهم. عودوا لتلك التقاليد التي تبني ولا تهدم, وتجلب الرقي لبلدها لا التي تنحو به نحو البدائية الدبلوماسيّة.

لنتخلى عن استعلائنا على بعضناً بعضاً ونرتب أوراقنا إن كنا نريد أن نطالب بأشياء, بحيث لا تعتبر الموافقة عليها شهادة إثبات للتهمة, ولنربأ بأنفسنا أن نتّهم بلا أدلّة. ولنلتزم جميعاً بأمورٍ تصب في مصلحتنا جميعاً. لا نكيد المكائد لبعضنا بعضا, ولا نحاول تشويه بعضنا بعضاً, ولا نستغل عاطفة الشعوب وانحيازها الفطري لأوطانها. إن علاقات الدول تُبنى على الاحترام المتبادل لا على الأحجام ولا مقدار القوى. وما بيننا أكثر من الاحترام المتبادل, إن ما بيننا حبٌّ أخويّ بقِدَمِ أرضنا الواحدة. كلنا أمل أن تنصلح الأمور. ولا أحَبُّ إلينا من أن نعود إخوةً في خليجنا الواحد, ومن أن يسعد الشيخ صباح بثمرة سعيه المقدَّر.

 

دلال خليفة

Titleعن صمتكم على أزمة الأقصى ستسألون

لم أر قوماً أكثر خضوعاً للغرب وخاصة أمريكا من العرب. أذكر أنّه مر بي يوماً خبرٌ عن سياسي أمريكي تحدَّث عن طلبٍ صعب التنفيذ لمِا يشمل من قسوةٍ على البشر, كانوا قد طلبوه من أحد القادة العرب, وعندما تم التنفيذ قال السياسي الغربي في مناسبةٍ ما, وقد ارتسمت على وجهه بسمة سرور وعجب, إن ذلك القائد العربي قد “أدى ما طُلب منه بأكثر مما توقعنا”.

تذكرت ذلك وأنا أرى الخضوع الشديد لأوامر ترمب من قِبل الدول التي اتفقت معه على مصالحة إسرائيل حتى أنها بدت وكأنّ على عيونها غشاوة تمنعها من أن ترى ما يحدث للمسجد الأقصى. ما هذا الصمت الغريب؟ هل من كلمة؟ إن ربكم الله وليس ذلك الرئيس محدود مدة الصلاحية الذي يتفاخر بإخضاع القادة العرب وقدرته على إخراج من يشاء من سجونهم وما يشاء من أموالهم.

أحببت أن أكتب عن الأقصى شيئاً, ولكن ماذا أقول؟ الأقصى يناديكم؟ قطعاً لن أستجدي للأقصى فنصرته واجبة  بحيث أن من لن ينصره من أصحاب السلطة من المسلمين ولو بموقف يبدي فيه استهجانه بأيّ طريقة فسيُسأل عن خذلانه له. لأنّ هذه أمتنا أمة واحدة كما أخبرنا الله في كتابه العزيز. ماذا أكتب أو أقول بعد أن سكت العلماء أو أسكِتوا؟ هل أقول ما ظننت أنهم سيقولونه؟ حسناً, سأحاول:

في البداية اجتراءٌ بافتراءٍ وتلفيقٍ للنيل من بلد شقيق في شعبان, الشهر الذي تُرفع فيه الأعمال, ثم اجتراءٌ في رمضان على الله ورسوله وشهره الفضيل, بحصار مسلمين وإجبار ذويهم على قطع أرحامهم, هلّا رجوتم لله وقارا. ولا يُتوّج ذلك العمل ضد دولةٍ من الدول العربية القليلة التي لا تزال تساند القضية الفلسطينية إلا بهذا الصمت الغريب إزاء التنمُّر على المسجد الأقصى, وكأنه مسألة لا تعنيكم, وأنتم ترون قمع المسلمين في ساحة الأقصى وإغلاق مسجدهم دونهم.

وما مسجدهم هذا إلا المسجد الذي بارك الله حوله.. ألا يكفي هذا ليُعلِمكم قدره؟ إنّه المسجد الذي أسرى الله بنبيِّنا الكريم إليه. كيف لا ترون في هذا قدرْاً مُستحقّاً للذوْد عنه وقد أحاطت به معجزة البراق والإسراء من مكة إليه؟ هل لا زلتم ترون هذا غير كافٍ لنصرته؟ فتذكروا إذن أيضاً أنّه المسجد الذي صلى فيه الأنبياء.. هل سمعتم بمسجد صلى فيه الأنبياء مجتمعين غيره؟ كيف تستطيعون السكوت وإسكات الشيوخ لكيلا يقولوا كلمة حق. لقد كنتم مرجوّين عندنا قبل هذا, ولطالما صلينا خلف أئمّتكم وأمّنّا مخلصين على دعائهم لكم. فماذا حدث؟

إن ترمب لن يلبث في السلطة أكثر من ثلاثة أعوام ونصف إذا برِئت ساحته, وإذا حدثت المعجزة فلن يلبث أكثر من سبعة أعوام ونصف, ثم ماذا وقد اشتريتم مرضاته بإغضاب الله؟ ألا تعلمون أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وأنه لا عهد ينبغي أن يتنافى مع عهدكم مع الله؟ وعهدكم مع الله كمؤمنين يقول بموالاة أهل الأقصى لا بموالاة أمريكا وإسرائيل عليهم, وأي اتفاق يُملي عليكم الرضى بما يحاك ضد الأقصى الشريف والسكوت عليه وعلى اضطهاد المسلمين والناس عموماً لا يجوز إبرامه أصلاً. بل والأدهى والأمرّ أن يخرج من بلادكم من يدافع عن المعتدين. لقد كان العلمانيّ لديكم منتقَداً قبل هذا فكيف طالت العلمانية عقر دار الإسلام؟

هلّا ثُبتم إلى رشدكم أو أطلقتم سراح ألسنة شيوخكم على الأقل؟ لقد أوشكتم أن تفتنوا الأمة إذ حجرتم على ألسنة علمائكم, وجعلتم جهلاء الأمة يتشككون في كل شيءٍ حتى كاد تشككهم أن يطال الإسلام نفسه بعد أن فقدوا الثقة في ذمّة علمائه. فعودوا رجاءً إلى موقفكم الوقور المناصر للإسلام والمسلمين, والذي أوحى بمنح الجنسية السعودية مثلاً لداعية مسلم من الهند لإنقاذه من تهمة كادت أن تسجنه.

لقد أخطأ الشباب الفلسطينيون الذي حملوا السلاح في ساحة الأقصى فتسببوا في إغلاقه, ولكن المبالغة في التنمر على المسلمين والغطرسة ببسط النفوذ أيضاً لا تقبل ولا تبرر. إن التهديدات للأقصى رهيبة. فالمحتلون يتحينون الفرص لهدمه بحجة أن هيكل سليمان تحته وينتظرون بفارغ الصبر أن تضعف حلقة الوصل بينه وبين الأمة لينسفوه.

عودوا محتوين للمسلمين ولقضايا المسلمين قبل أن يفوت الأوان, فالتطبيع لا يليق بكم. ليس الآن, ليس قبل أن يحظى الفلسطينيون بكل الحقوق وترفع عنهم كل الحواجز ويُكفوْن شر التنمر والازدراء الذي يمارسه المحتلّون عليهم وعلى مسجدهم المبارك حوله. إنّ خطيئة ترك الأقصى لليهود أكبر مما تظنّون, ومكاسبكم عند الله في حالة نصره أكبر بكثير من مكاسبكم عند ترمب وإسرائيل وأمريكا في حالة خذله, التي أقصاها إن تمت مكاسب دنيوية زائلة, إن استطاعوا تقديمها.

وتذكّروا كيف وثق بهم صدام واعتمد إذنهم له بالغزو الآثم المُغضب لله بلا شك للكويت, وإن أذن به الأمريكان, ولم يزده الركون إلى إذنهم إلا ضيعة ملكه, إذ عملوا على تخويفه وإخضاعه حتى سمح لهم بتفتيش بلاده وعندما اتضحت براءته مما اتهموه به غزوه على أية حال ومكنّوا من قتله.

ولا تنسوا كيف حاول القذافي حماية بقائه في منصبه بتسليمهم ما يريدون أو من يريدون, فلم يُغنوا عنه شيئاً عندما أطيح به وقتل من قِبَل الثوار. تذكروا كل ذلك لأنَّه ليس في الخضوع للغرب والركون إليهم من أجل حفظ الحال إلا المذلة التي تنتهي بالزوال. فثوبوا إلى رشدكم يرحمكم الله, واعلمو أن العزة لله جميعاً وفي الإسلام, وأن من استعاذ بغير الله فلن يزيده المستعاذ به إلا رهقا, مهما قال العلمانيون والملحدون والمتصهينون, لأنكم لا تعلمون مقدار ما تفرطون في جنب الله بموالاة أعداء محمد صلى الله عليه وسلم على أمته.

إن موضعكم كحكام ليس كموضع أي حاكم, إن أمة الحبيب المصطفى بأسرها تنظر إليكم, فلا تتركوها وتذبذبوها فتخسروا ما بينكم وبين الله تعالى من أجل مصالحة إسرائيل مرضاة لرئيسٍ محدود المدة, أو سلطةٍ محدودة المدة والقوة تظنون مخطئين أنها تملك لكم ضراً ونفعاً.

 

دلال خليفة

 

 

Titleمصر الحضارة, أين ذهبت الحضارة

يحتج الإخوة المصريون دائماً, وخاصة في الإعلام المصري بأنهم أصحاب حضارة عمرها سبعة آلاف عام ليُسكتوا من ينتقدهم أو عندما يدعوهم إلى الكفّ عن إيذاء بعضهم بعضاً بالسجن والقهر أو حتى عندما يحاول تكذيب فريةٍ افتراها أحدهم عليه. دائماً نحن الفراعنة! فمن أنتم يا أصحاب البوادي التي لم تكن لتعرف لولا النفط؟

لا بأس, حضارة الفراعنة قد خلّفت حقاً روائع تراثية وعلوماً طبقوها بشكلٍ مبهرٍ من خلال الأهرامات والمعمار واستغلال ضوء الشمس بحسابات معقدة تحبس الأنفاس إعجاباً بهم كأصحاب حضارة علمية ومعمارية عظيمة. ولكن الحضارة مع الأسف ليست فكراً أثيرياً في الجوّ ينتقل من السلف إلى الخلف بشكل أتوماتيكي حتميّ. لكي تفخر بتلك الحضارة يجب أن تكون لديك علومها, أو على الأقل إذا تعذّرت علومها, وستفعل, أن تتعامل مع الآخرين بشكلٍ يوحي بأنّك سليل حضارةٍ قديمة راقية, لنقول إنّ إخوتنا المصريين حقاً أبناء حضارة عظيمة.

أما أن تجلس أمام كاميرا التلفزيون لتقدّم تشكيلةً من الأكاذيب والافتراءات, لكي تُؤلب الناس على بلدٍ كامل وتلصق به وبأهله ورموزه تهمٌ لا أساس لها ولا عائد غير التشفِّي فهو ليس من الحضارة في شيء. الإعلام المصري أصبح كالإعلام السوري تماماً, يصوغ الأخبار وفق ما يريد أن يضلل به الشعب. فأين بالله الحضارة؟ أين حقوق الإنسان المصري في احترام آدميته واحترام عقله؟  وكذلك ليس من الحضارة والرقيّ في شيءٍ امتهان كرامة الإنسان على يد السلطات التي يعيشها المصريون يومياً مع الأسف حتى لمجرد الوقوف في الشارع, أو لمحاولة كسب العيش بعد أن ضاقت السبل ببيع بضاعة هزيلة بالكاد توفر له قوت يومه. التلفزيونات المصرية والموالية للنظام الحاكم نفسها تذيع قصصاً مأساوية كل يوم, إذا فاتها أن بها شيء ضد الحكومة, عن ظلم المواطن البسيط وسحقه من قبل الشرطة وكل ذي سلطةٍ في البلد, فأين الحضارة؟

هنا فقط أتذكر أنَّ الحضارة الفرعونية قامت على الطبقية واستعباد الإنسان وامتهان كرامته, ألم يقل فرعون أنا ربكم الأعلى؟ والآن يقولها حاكم مصر بأشكالٍ وأشكال. ولا يفتح إنسان فمه بكلمة احتجاج إلا عوقب بالسجن وأحياناً حتى بالإعدام. قاطِعوا الأحجار قديماً وحاملوها بأوزانها القاصمة للظهور تحت لهيب الشمس ليبنوا بها منئشآتٍ خالدة لطبقة الفراعنة الحاكمة, نراهم اليوم بعرقهم وبؤسهم, يشتكون من انعدام كلّ شيء ومهددين بالحرمان حتى من الخبز, بل وحتى من البقاء في منازلهم كما هو الحال في سيناء التي تُخلى من أجل عيون إسرائيل والوراق التي رُوِّع سكانها, أيضاً من أجل غير المصريين, بينما يحظى حماة النظام من جيش وشرطة بالطمأنينة وبالعلاوة تلو العلاوة, فهل من بقايا حضارة إنسانية؟ المصريون لا يستحقّون البؤس, لا قديماً ولا حديثاً, ولكن دائماً ثمة من يؤمن بسياسة التجويع والامتهان ويشعر أن التضحية بالإنسان أسهل من التنازل عن شراء طائرة رئاسية جديدة.

الدين هو الذي يكوّن الضمير وخشية الله في البلاد والعباد واحترام الآخر ومراعاته, والتعايش معه بما يرضي الله. لا تخشوا الدين على أنفسكم فهو الذي يرتقي بالإنسان, بل اخشوا ضياعه لأنه يهوي بالإنسان إلى الحضيض ويجعله قادراً على ظلم الآخر وافتراء الكذب عليه, وتلفيق القصص إلى درجة إثباتها بصورٍ قديمة تخص أحداثاً أخرى في بلدانٍ أخرى تماماً للمزيد من شحن المصريّ ضد من يكرهونه وامتهان عقله بالتضليل وكأنّه لا يكفي أن تُمتهن كرامته, ويستخف بحياته بأن يُعدم بالعشرات لمجرد شبهة, وأحياناً حتى بلا شبهه, من أجل التمسح بنظامٍ مهما طالت مدته فهو مجرد حقبة زمنية ستذهب يوماً بغمائمها السوداء أو حتى المطيرة لو أمطرت, ولن يبقى للمتمسِّح إلا مواجهة ما عملت يداه في القبر وما بعده.

انتهى عهد جبروت الفراعنة على يد موسى عليه السلام إذ جاء بدينٍ سماويّ وإن لم يُحضر معه علوم الفلك المبهرة وفنون العمارة والرياضيات. ليس هذا النوع من الحضارة ما يحفظ كرامة الإنسان وإنما القيم واحترام الآخرين والتراحم, وهذه لا تأت بها إلا حضارة الإيمان بالله. وهذا بالضبط ما يبدو أن حكومة السيسي تحاربه إذ منعت ميكروفونات الأذان, ومنعت حتى الكمّ الهزيل من الدين الذي كان يدرَّس على استحياء من خلال مادّة ليست بذات درجات, وجرأت الناس على الإسلام حتى أصبح مدّعي الثقافة و”الدين”, وكثيرٌ ما هم, يتسابقون في ازدرائه. فكيف تدّعون الحضارة, التي تنتعش فيها عادةً حقوق الإنسان, وأنتم تسعون إلى تدمير كل أثرٍ لأعظم حضارةٍ مرت بكم؟ الإسلام مثل أي دين سماويّ يولّد الخير لا الإرهاب. أما الإرهاب فيأتي به الشر والجهل بالدين, وإن لجأ الشر إلى التقنّع بالدين أحياناً للوصول إلى حيث يريد.

ولا أمل إلا في أصحاب الحضارة الحقيقية في مصر, حضارة الدين التي لا تزال خضراء في قلوب كثيرٍ من المصريين, مسلميهم وأقباطهم, بما يجعلهم يستنكرون الظلم والإرهاب ليس فقط من مجرمي تفجير أجسادهم, وإنما أيضاً من مجرمي الاستبداد الذين يظلمون المساكين ويعدمون العشرات والمئات من البشر بلا محاكمة ولا أدلة على استحقاقهم القتل, فقط لأنّ بأيديهم سلاح دولةٍ يؤمن نظامها بسحق الإنسان من أجل الدولة. وما الدولة عنده إلا النظام الحاكم وأذرعته.

والحضارة الدينية التي أعنيها قطعاً ليست إخوان أو شيوخ أو قساوسة, وإنما خشية الله في العباد والبلاد التي تؤسس لجميع القيم التي تحتاجها أيّ دولة متحضرة, والتي صمت أصحابها طويلاً. ولكن يبدو أن أصواتهم بدأت تتململ وتعلو بازدياد مظاهر السحق, وقد تزداد علواً بما يوقِف الظلم والامتهان وسيل الدماء البريئة ويعيد لمصر حضارتها ومكانتها الرفيعةً التي كانت.

دلال خليفة

TitleBLOCKADE THOUGHTS (1

!Do not ease the blockade

It is strange that almost every western country which has shown sympathy with Qatar and offered support is keen to assure that it is against terrorism, as if Qatar evidently has anything to do with terror . And they urge Gulf states to ease the blockade against Qatar, as opposed to end it altogether. It surprises me that the world seems to believe that the accusation that Qatar funds extremists has some basis, especially that there is no evidence to prove any of the accusations, or, were they demands? Or violations? They cannot decide what to call them, which is just a .piece of evidence that they are false

This is despite the fact that the four countries which started the blockade, having had Trump’s blessings, I must say, have real involvement with terror. Two of these were even caught “red handed” in September 11th . Some have serious issues as far as human rights are concerned

Egypt, for example, is almost soaked in the blood of innocent people who face the capital punishment almost every other day without fair trials. In its prisons, the number of which they had to increase, almost eight hundred thousands are wasting years of their lives just for having tried to demonstrate peacefully or express their minds. More than a hundred websites were closed just for trying to say that they are unhappy with the performance of Sisi

People in Qatar, however, are the happiest among Gulf and Arab nations. They have no issues with their government. None of them has ever joined Isis. Their country has no record whatsoever of exporting or financing terrorism. And if it was not for Trump’s visit to address, or rather, control Muslim countries, no one would ever think to put Qatar on top of a list of countries supporting terrorism. This is why we are surprised, perhaps even shocked, that people talk about easing the blockade. They should say instead: END this ridiculous blockade at once

Delal khalifa

Titleالظهيرة

الشجرة 1

في لحظات ما, عند الظهيرة.. الصامتة, وعندما يسطو نعاسٌ فرضه سهر البارحة, فهناك خياران, إما أن أنفضه وأهبُّ إلى استكمال شؤوني اليومية, وإما أن أستجيب فأسترخي قليلاً فأصبح في لحظاتٍ نادرة, خدِرة الذهن المستيقظ بحيث يسمع كل ما يدور حوله ويرى (لو كانت العينان مفتوحتين), إلا أنه أعجز من أن يحضر اللحظة حضوراً قوياً يربطه بالمكان والزمان..

أصوات المحطات البعيدة تصبح من خارج الحيز المكاني, هدير القطارات المنخنق تحت الأرض والممتد زمناً يأتي كهدير سفينة فضائية أو طبقٍ طائر ضخم يبحث عن بقعة مناسبة ولحظة مناسبة يستطيع أن يهبط فيها إلى الأرض..

والزمن, أين أنا؟ ومتى؟ إنني في لحظاتِ ظهيرةٍ قديمة تفترش فيها الشمس نصف الغرفة.. وأنا في الظل الدافئ..

والآن, لماذا تظهر صورةٌ خاطفة إلا أنها شديدة الواقعية لرجال يخوضون البحر وهم يرتدون أُزر الغوص التراثية؟ هذه صورة لم أرها مطلقاً في الواقع.. لم أعاصر الغوص, ترى هل تُتوارث الصور الذهنية من ذاكرة أجيال سابقة؟ أم إن قصصهم والدراما والوثائقيات تجد لها مكاناً في عقولنا تستريح له الذاكرة فتتبناه واقعاً؟ لا أعلم.. غير أنني أحببت هذه الصورة.. إنها تربطني بتاريخ الخليج الحبيب, الخليج الوطن.. ولكن لماذا؟ لماذا الآن؟ لماذا في لحظات الظهيرة الأوروبية الباردة تأتي لحظات الظهيرة الحارة لتسيطر, لتتحدى دويّ الأطباق الطائرة القادمة من زحل, أو المريخ.. ولكنهم يقولون إن زحل ليس بمأهول, والمريخ لم يُر به أثرٌ لحياةٍ نستطيع رصدها. ولكن من يعلم؟ ربما كانت تلك الكواكب مأهولة بمخلوقاتٍ تعيش أشكالاً من الحياة لا نعرف خواصها..

أعتقد.. أعتقد أن النعاس يحاول السيطرة, وأعتقد أنني بدأت أحنّ إلى وطني.. وأنني ما إن أنام حتى أراني في موطني الدافئ.. ولكني لا أملك أن أنام الآن. لا بأس.. ستنتصر اليقظة الآن, يجب أن أنهض وأستعد للخروج.. هناك أشياء يجب أن أقوم بها, وثمة متسع فيما بعد للنوم.. والأطباق الطائرة والأحلام السريالية عن الوطن..

 

نشر بالملحق الثقافي لجريدة الشرق القطرية عام 2015م

Titleمسرحية إنسان في حيز الوجود, كاملة

نظراً لتكرر السؤال عن مجموعة إنسان في حيز الوجود المسرحية, ونفادها من المكتبات,فقد أعددت هذا الجزء من المجموعة, وهو مسرحية إنسان في حيز الوجود, للنشر في الموقع. وقد أعد المسرحيتين الأخريين في المجموعة لاحقاً, إلا إذا قررت أن أعيد طباعة هذا العمل.

مسرحية إنسان في حيز الوجود

Titleالحديث الشريف, ثروة فكرية

حديث 6

عندما نعدد ألوان.. هل أسميها الفكرِيّات؟ أو لنقل النصوص, فهناك شيء يظلّ دائماً فوق التصنيف: الحديث. وللأمانه فخيرٌ للحديث أن يظلَّ فوق التصنيف لئلا يبخسه الناس حقه في منزلته الجليلة السامية التي يشغلها في الأرواح والأفئدة. إنه ثروتنا الفكرية الرائعة التي أعتقد أن كثيراً منا لا يستطيع أن يقدّر أو حتى يدرك قيمتها كإرثٍ فكريّ.

لا أعلم إلى أيّ مدى يستشعر الآخرون ذلك, ولكن هل تستشعر قارئي العزيز شيئاً خاصاً جداً في الحديث؟ وهل تشعر بالامتنان لأنك, إن كنت مسلماً, الوحيد من بين المنتمين للأديان الذي صُوِّرت له حياة نبيّه كإنسانٍ, وكأنه يراه؟ ألم ترَ مع عمر آثار الحصير على جنب الرسول الشريف وتجيش في صدرك العبرة التي جاشت في صدره رحمةً بنبيّه؟ ألم تشعر بفيضٍ من المحبة والحنان وأنت “ترى” الحسن والحسين عليهما السلام يمشيان إلى جدهما وهو على المنبر ويعثران في قميصيهما الأحمرين فيقطع خطبته ليذهب إليهما فيحملهما ويعود بهما إلى المنبر؟ ويكمل خطبته, قائلاً وكأنه يعتذر, “صدق الله إن من أموالكم وأولادكم فتنة, رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر”.

هل سمعت عند أتباع ديانة سماوية أخرى بمثل هذا يأتي صافياً تشعر بصدقه في قلبك قبل أن تقرأ توثيقات رواته ؟ الحديث ثروة فكرية وروحية وثقافية لا أظن أننا نفخر بها كما يجب.

الأبشيهي يروي قصصاً في مستطرفه عن المجتمع الإسلامي ولكنه ليس بحديث, والجاحظ يحكي قصصاً في بخلائه ولكنه ليس بحديث, وابن سيرين يعبر الرؤى وقد يكون فيها ذكر الرسول ولكنها ليست بحديث. وكتب الفقه أيضاً تحكي عن الرسول ولكنها ليست بحديث.

الحديث شيءٌ استثنائي مسخّر لرصد تفاصيل حياة وفكر وتعاليم نبيٍّ مُرسل. بوسع الإنسان أن يعرض حكايته أو معلومته أو عِظَته بما يسيّر مركبه كما يقولون. أي بما يضمن لهذه الحكاية أو المعلومة أن تصل بالشكل الأفضل, فيعدّل هذه التفصيلة أو يلغي تلك بحريَّة تامة لا تخضع لأيِّ نوع من المحددات أو القوانين, أما الحديث فله قداسته.

قد يلغي راوٍ أو محدّثٌ تفصيلة في وصف ما يراه الراوي المباشر مما لا علاقة له بمحتوى الحديث أو تأثير على معناه, ولكنه لا يستطيع أبداً أن يعبث بمحتواه لارتباطه بالرسول. إذا تبسم فقد تبسم, وإذا تبسم بمقدار فعليه أن يبين المقدار وإذا ضحك فهناك الضحكة العادية وهناك الضحكة التي تُبدي النواجذ. كل شيء يتعلق بهذه الشخصية يجب أن يكون دقيقاً وصحيحاً مائة بالمائة. هناك بالطبع الذين اجترأوا على تلفيق أحاديثٍ والذين تنبأ بهم الرسول فأرسل لهم رسالة بأن يتبوَّأوا مقعدهم من النار. وهناك الأصل؛ الأمناء حتى الهوس. تتبَّعت حديثاً أحد رواته في سلسلة الرواة محمد ابن سيرين عن صلاة سهى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصلِّها كاملة وعندما تنبّه لها عاد فأكملها ثم سجد سجدتي السهو. وابن سيرين يرويه إلى حيث أنهاه أبو هريرة, من غير ذكر التسليم في النهاية إلا إذا سأله أحدٌ إن كان الرسول قد سلم بعد سجدتي السهو. فوجدت الروايات التي تروى عن طريق ابن سيرين إما أن يقف بها المحدّث حيث وقف ابن سيرين في حالة نقلها من مصدر لم يسأله, وإما أن يرويها بإضافة جواب ابن سيرين عندما يُسأل فتكون مثلاً “فقيل لمحمد, ثم سلم؟ فقال لم أحفظه عن أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلم” أو “لم أسمعه من أبي هريرة ولكن نُبئت أن..” أو “…ليس في حديث أبي هريرة” وعجبت من حرص ابن سيرين البالغ, على التأكيد أنه لم يسمعه من ابي هريرة, مع علمه أن أبا هريرة ربما نسي أن يذكر السلام لأنه ذكره لغيره, ثم يحرص كل محدّث مثل أبي داوود والبخاري ومسلم وغيرهم أن ينقلوا هذه الإضافة كما هي. والأحاديث تزخر بمثل هذه التوضيحات الصغيرة التي أصبحت بصمة وسمة من سمات الحديث..

هؤلاء المتفانون والذين يروْن حرمة الحبيب المصطفى, وأهمية ما يقوله وأهمية أن يصل هدْيُه إلى الناس صادقاً هم أصحاب الصحيح من رواةٍ ومحدّثين, وهم الذين شكّلوا هذا اللون الفكري الفريد من نوعه بهوسه بالدقة والأمانة, والذي لا يوجد له مثيل في أيّ ثقافة غير الثقافة الإسلامية.

والآن عندما نفتح كتاباً من كتب الحديث لنجد جواباً لمسألةٍ ما أو من أجل محض إطلالةٍ على مجتمع النبيّ صلوات الله وسلامه عليه فكثيراً ما نغلق الكتاب بعدها من دون أن نشعر بامتنان او تقديرٍ لصاحب الكتاب. لقد اشترينا الكتاب بقليل من النقود أو اطلعنا عليه مجاناً في الشبكة, ولكن ما بال من قطع أميالاً على ظهر دابةٍ في أيامٍ حارةٍ أو أيامٍ باردة, في ظلمة ليلٍ أو تحت شمسٍ محرقة.. كم سهر وكم مضى عليه من السنين وهو يجوب البلاد من خراسان أو سمرقند إلى بغداد إلى الكوفة إلى الشام إلى المدينة إلى مصر وما هو أبعد من ذلك أو أقرب, يحدّد مساره وجودُ شيخٍ محدّث في هذه المدينة أو تلك.. وكم تعرض للأذى وكم  رَدّ من مناصب وفرصٍ للثراء من أجل أن يجمع رواياتٍ عن سيرةٍ هي أعطر السير ويعيش وفق هَدْي صاحبها.

وفي سبيل ذلك أوذي المحدّثون وربما قُتلوا, فهذا الإمام مالك يُجلد وتُخلع ذراعه, وهذا الإمام أحمد يُسجن ويعذب وهذا الإمام البخاري تحاك له المكيدة ويُخرَج من دياره مرّتين ويألم حتى يدعو ربه أن يقبضه إليه. ولكن ابتلي الأنبياء قبلهم وكثيرٌ من الصالحين وزلزلوا, ثم ماذا حدث؟ بقي الحق وزهق الباطل. فهذا موطّأ مالك وهذا مسند أحمد وهذا صحيح البخاري وتواريخه وبقية كتبه لا تزال كالمصابيح بين أيدينا تحمل عطر السيرة المباركة.

وحتى الآن وفي هذا العصر تأتي التساؤلات الحمقاء.. تسعون ألف حديث, وأكثر؟ وهل عاش النبي ألف عام ليخرج منه كل هذا الكلام؟ وهنا أتذكر الشعرواي رحمه الله عندما قال ما معناه “ما ظنّكم برجلٍ لو قال شيئا فهو حديث ولو سئل عن شيء فأجاب فهو حديث ولو سئل عن شيء فسكت فهو حديث ولو أكل شيئاً فهو حديث ولو امتنع عن أكل شيء فهو حديث ولو رأى شيئاً فعلق فهو حديث ولو رأى شيئاً فلم يعلق فهو حديث, ولو…”.

إنها حياةٌ كاملة حاول المحيطون به جهدهم ألا يفوتهم منها شيء, فهم الذين شهدوا كراماته واستجابة دعواته, ورأوا الماء ينبع في القدح من بين أصابعه حتى ارتوى آخرهم, فكيف لا يرصدون كل حركاته وسكناته, وكيف لا يشعرون أنّ كل ذلك يجب أن يسجل ويبقى لمن سيأتي بعدهم بألف عام أو يزيد؟

وقد نسخر من أسمائهم وألقابهم وجوعهم؛ أبو هريرة؟! ما معنى حبّان؟ ومن يسمي ولده جويرية؟! ولكن كل هؤلاء وأولئك الذي قطعوا المسافات وعطشوا في الصحارى لهم فضلٌ علينا عظيم ويستحقون منا التقدير. ولو كان الأمر بيدي لخصَّصت يوماً في كل عام لتكريم أصحاب الحديث, الذين مدّوا أيديهم إلينا فاجتازوا بنا الألف عام إلى الحبيب المصطفى..

دلال خليفة

 

نشر في مجلة أعناب, عدد يناير 2017

Titleهذه الكتب البلاستيكية… نريد المزيد منها

unnamed 

هذه الكتب البلاستيكية..

نريد المزيد منها

عندما اتصل بي المنسق الثقافي بمركز قطر الاجتماعي والثقافي للمكفوفين, د. طارق العيساوي, يدعوني لقراءة بعض قصصي القصيرة وللحديث عن القراءة لشباب المركز, لم أستطع إلا أن أوافق رغم أن موعد الفعالية كان بعد يومين. لقد شعرت أنني لا أستطيع أن أقول لا لهذا المجتمع. ففي ورشتين قدمتُهما لكتابة القصة القصيرة كان بعض طلابي من هذا المركز, وكانت الطالبات الأربع أو الخمس اللاتي شاركن منه, من ألطف الشخصيات وأكثرها طموحاً, تُحَلّيهن الروح المرحة والثقة بالنفس.

في هذه المرة أيضاً لاحظت تجاوباً جميلاً لا أراه دائماً عندما يُفتح المجال للنقاش. الكلام يأتي جاداً, واستيعاب ما قلتُه ناضجاً. كما تشعر بحماسهم وطموحهم, ولا تملك إلا أن تتمنى الأفضل لهولاء الشباب الطموحين.

ولكنك أيضاً تشعر أنّ الاهتمام بثقافتهم يقتضي تقديم المزيد من قِبلنا كمجتمع. سألتهم إن كانوا يشعرون بأن لديهم ما يكفي من مصادر الثقافة والإطلاع من كتب تُقرأ بطريقة بريل وكتبٍ صوتية.. خاب أملي, ليس مما قاله بعضهم فحسب, بل وعندما رأيت مكتبتهم. كنت أظن أنني سأرى مكتبةً ملآى بالكتب التي تقرأ باللمس, وأنها ستحوي مكتبةً صوتية بها عددٌ من أجهزة الكمبيوتر المعدة لسماع الكتب عن طريقها, ولطباعة ملاحظاتهم عليها. ولكني وجدت بها كتباً ورقية قليلة, وكتباً أقل بكثيرٍ جداً مما يقرأ باللمس. ويبدو كما علمت من المشرفين أن نسخة بريل لأيِّ كتاب تحتاج إلى حيِّزٍ أكبر بكثير مما تحتاجه الكتب العادية, ما يجعل المركز يستبعد النصوص الطويلة مثل الروايات وما شابهها في الطول. فنسخة القرآن الكريم مثلاً بطريقة بريل, كما أُخبِرت, تتكون من ستِّ أجزاء, لأنها لو كتبت في جزءٍ واحد كما في المصحف العادي لصعب استخدامه لكبر حجمه, إذ أن حجم الصفحة عادة أكبر قليلاً من صفحة الكتاب الورقي ذي القطع الكبير, وأكثر سُمكاً.

عندما تفحصت إحدى النسخ أخذتُ أنظر إلى ذلك العالم من البلاستيك الأبيض الرقيق والمليء ببروزاتٍ صغيرة كالنقط الدقيقة الناتئة, والتي لا تكاد ترى. وكما فعلت أوّل مرة عندما طلبت عام 2010 إلى هذا المركز أن يحوّل بعض الأوراق التي أعددتها لطالبات دورةٍ في القصة القصيرة إلى نسخة برِيل من أجل طالبتين كفيفتين, حدّقت في الصفحات ومررت بأصابعي على كلماتها وقد ظننتُ بسذاجة أنني سأجد حروفاً عربية بارزةً أمامي ففوجئت بتلك النقط ولم أصل إلى شيء.

عندها تذكرت محاولتي السابقة, وكذلك أخبرني المنسق الثقافي أن أحرف بريل, أو نُقَطِه الصغيرة, ليست أحرفاً عادية. أخذت أتأمل الصفحتين العريضتين من البلاستيك الشديد البياض والخالي إلا من تلك النتوءات الدقيقة.. كيف تكون هذه النقط كلاماً؟ ولماذا لا تكون حروفاً عادية بارزةً بدلاً من هذه النقط؟ لم أحب أن أثقل على مسؤولي المركز بذينك السؤالين. سآخذهما معي إلى الشبكة, ولكن, هل أنا الوحيدة التي فكرت بأنه من الممكن أن تستخدم الأحرف العادية بنفس الأسلوب بدلاً من النقط البارزة؟ موعدي مع الشبكة عندما أعود. لقد أثار ما قدمه بريل للبشرية مشكوراً شهيّتي لأن أعلم..

عندما بحثتُ علمت أن لويس بريل الذي فقد بصره في سن الثالثة من العمر والذي تفوق في أشياء كثيرةٍ منها الموسيقى, كان من الثقافة والذكاء بحيث علِم وتعلّم هذه الرموز التي تمثل الأصوات اللغوية, والتي كانت ابتكرت على يد الضابط الفرنسي بيير لسكي كشفرةٍ لمراسلة الجيش الفرنسي أيام حربه مع الألمان. طوّرها بريل وقلل عدد رموزها المعبرة عن أصوات الحروف من إثنتي عشر نقطة للحرف الواحد إلى ست نقط ليسهل استخدامها على الكفيف للقراءة بتتبع هذه النقط. وعندما نجحت الطريقة حاول إدخالها المدارس ولكنها لم تطبق إلا بعد وفاته (كالعادة دائماً).

والمفاجأة, هي أن هناك من فكّر واستخدم بالفعل الأحرف العادية البارزة, كما أن هناك من استخدم طرقاً أخرى, إلا أنه لم تنجح إلا طريقة بريل وبهذه الرموز, لذا فقد اندثرت كل الوسائل ولم تبق إلى اليوم إلا هي, حيث وُحِّدت الرموز بعد محاولة التوفيق بين الأصوات المستخدمة في اللغات المختلفة.

الغريب أنني لا زلت أشعر بالدهشة حيال هذه النقط البارزة. عندما سألت الحضور عن تجاربهم القِرائية المميزة, قالت إحدى عضوات ذلك المجتمع الطموح إنها قرأت كتاباً مشوّقاً جداً جعلها تسرع في القراءة لشوقها لمتابعة الأحداث, ما ساعدها على أن تطور قدرتها سريعاً على القراءة باللمس, وكانت في طور تعلّمها للقراءة بهذه الطريقة.

أمام صفحتَيّ الكتاب الكبيرتين من البلاستيك الأبيض, شعرت بالضياع.. حاولت بلا جدوى أن أصل بأطراف أصابعي وحتى بعينيّ إلى أيِّ كلمةٍ فيها فلم أصل.. شعرت بقلة الحيلة إذ لم أتمكّن حتى من معرفة موضوع هذا الكتاب – فغلافه الورقي الأبيض ليس به كلمة تقرأ ولا حتى نتوءات. هذا الشعور بقلة الحيلة إزاء ما بين يديّ عزَّز شعوري كثيراً بأننا مقصرون جداً في حق هذه الشريحة من أهلنا. لا بد أن شعوري أمام كتابهم شبيهٌ بشعورهم تجاه الكتب الورقية. خاصة وأني, وقد قابلت بعضهم, أعلم أنهم توّاقون إلى المعرفة, وإلى الاستمتاع بالأدب.. وأعلم أن كتبهم أقلّ بكثيرٍ جداً من تعطشهم للاطلاع, ومن عشقهم للأدب. ومع الأسف لا توجد أيّ خططٍ, فيما أعلم, لإنتاج كتبٍ صوتية على مستوى مؤسساتي.

من هنا أهيب بالمسؤولين, في دولةٍ طموحةٍ ومتطورةٍ على مستوى التعليم مثل قطر, أن تسعى إلى توفير المزيد من الكتب لهذه الشريحة الخلاقة من أبنائها.. إن الكفيف وأصحاب الإعاقات الأخرى أعضاء منتجون في المجتمع إذا أتيحت لهم الفرصة ويستحقون الكثير. هل نتخيل الشعر العربي القديم من غير إسهام المعرِّي مثلاً, وفي عصرنا الحالي وفي قطر لا ننسى محمد الساعي رحمة الله الذي أصبحت أغنيته “الله يا عمري قطر” أكثر ما يحرك الوجدان تجاه قطر, وهناك الموهبة الشابة خلود أبو شريدة التي كانت في ورشة القصة القصيرة المذكورة أعلاه. هذه الورشة أنتجت مجموعةً قصصيةً كتبتها الطالبات ومن بينهن خلود التي لا يزال في جعبتها الكثير.

ولا أهيب فقط بالمؤسسات الحكومية والمجتمعية فقط, بل وبِدُورِ النشر التي قطعاً يمكنها أن توفر لمجتمع المركز نسخة ملفِّ وورد لصحفها حتى لو اكتفت بأهم الأخبار, وتستطيع أن تحفظ حقوق نشرها بشكلٍ أو بآخر بالاتفاق مع المركز. كما أهيب أيضاً بباقي الكتّاب كأفراد لأن يتصلوا بموقع المركز الالكتروني ويقدموا بعض إنتاجهم كملفات وورد لمركز المكفوفين ليتمكن هذا المجتمع المتعطش للقراءة من قراءة أدبهم وإنتاجهم الفكري على أجهزتهم الخاصة التي تمكنهم من القراءة بطريقة بريل من خلال إعدادات خاصة لأجهزة الكمبيوتر المحمولة التي يوفرها المركز لطلابه ومرتاديه, أو ليحولها إلى كتبٍ لمسية أو صوتية. من ناحيتي بدأت بثلاث قصصٍ يجري تحويلها لكتيبات لمسية ووعدتُ بتقديم المزيد بإذن الله من ما يصلح من إنتاجي من أجل هذا الغرض.

إن النهوض بالمجتمع لن يتم إذا انتظر كلٌّ منا مساهمة الآخرين في بناء المجتمع من دون أن يفعل شيئاً..

 

دلال خليفة

نشر في مجلة أعناب القطرية بعددها الصادر في شهر أكتوبر 2016م