الصفحة الرئيسية السيرة الذاتية رسائلكم

المقالات » الحديث الشريف, ثروة فكرية
January 14, 2017

حديث 6

عندما نعدد ألوان.. هل أسميها الفكرِيّات؟ أو لنقل النصوص, فهناك شيء يظلّ دائماً فوق التصنيف: الحديث. وللأمانه فخيرٌ للحديث أن يظلَّ فوق التصنيف لئلا يبخسه الناس حقه في منزلته الجليلة السامية التي يشغلها في الأرواح والأفئدة. إنه ثروتنا الفكرية الرائعة التي أعتقد أن كثيراً منا لا يستطيع أن يقدّر أو حتى يدرك قيمتها كإرثٍ فكريّ.

لا أعلم إلى أيّ مدى يستشعر الآخرون ذلك, ولكن هل تستشعر قارئي العزيز شيئاً خاصاً جداً في الحديث؟ وهل تشعر بالامتنان لأنك, إن كنت مسلماً, الوحيد من بين المنتمين للأديان الذي صُوِّرت له حياة نبيّه كإنسانٍ, وكأنه يراه؟ ألم ترَ مع عمر آثار الحصير على جنب الرسول الشريف وتجيش في صدرك العبرة التي جاشت في صدره رحمةً بنبيّه؟ ألم تشعر بفيضٍ من المحبة والحنان وأنت “ترى” الحسن والحسين عليهما السلام يمشيان إلى جدهما وهو على المنبر ويعثران في قميصيهما الأحمرين فيقطع خطبته ليذهب إليهما فيحملهما ويعود بهما إلى المنبر؟ ويكمل خطبته, قائلاً وكأنه يعتذر, “صدق الله إن من أموالكم وأولادكم فتنة, رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر”.

هل سمعت عند أتباع ديانة سماوية أخرى بمثل هذا يأتي صافياً تشعر بصدقه في قلبك قبل أن تقرأ توثيقات رواته ؟ الحديث ثروة فكرية وروحية وثقافية لا أظن أننا نفخر بها كما يجب.

الأبشيهي يروي قصصاً في مستطرفه عن المجتمع الإسلامي ولكنه ليس بحديث, والجاحظ يحكي قصصاً في بخلائه ولكنه ليس بحديث, وابن سيرين يعبر الرؤى وقد يكون فيها ذكر الرسول ولكنها ليست بحديث. وكتب الفقه أيضاً تحكي عن الرسول ولكنها ليست بحديث.

الحديث شيءٌ استثنائي مسخّر لرصد تفاصيل حياة وفكر وتعاليم نبيٍّ مُرسل. بوسع الإنسان أن يعرض حكايته أو معلومته أو عِظَته بما يسيّر مركبه كما يقولون. أي بما يضمن لهذه الحكاية أو المعلومة أن تصل بالشكل الأفضل, فيعدّل هذه التفصيلة أو يلغي تلك بحريَّة تامة لا تخضع لأيِّ نوع من المحددات أو القوانين, أما الحديث فله قداسته.

قد يلغي راوٍ أو محدّثٌ تفصيلة في وصف ما يراه الراوي المباشر مما لا علاقة له بمحتوى الحديث أو تأثير على معناه, ولكنه لا يستطيع أبداً أن يعبث بمحتواه لارتباطه بالرسول. إذا تبسم فقد تبسم, وإذا تبسم بمقدار فعليه أن يبين المقدار وإذا ضحك فهناك الضحكة العادية وهناك الضحكة التي تُبدي النواجذ. كل شيء يتعلق بهذه الشخصية يجب أن يكون دقيقاً وصحيحاً مائة بالمائة. هناك بالطبع الذين اجترأوا على تلفيق أحاديثٍ والذين تنبأ بهم الرسول فأرسل لهم رسالة بأن يتبوَّأوا مقعدهم من النار. وهناك الأصل؛ الأمناء حتى الهوس. تتبَّعت حديثاً أحد رواته في سلسلة الرواة محمد ابن سيرين عن صلاة سهى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصلِّها كاملة وعندما تنبّه لها عاد فأكملها ثم سجد سجدتي السهو. وابن سيرين يرويه إلى حيث أنهاه أبو هريرة, من غير ذكر التسليم في النهاية إلا إذا سأله أحدٌ إن كان الرسول قد سلم بعد سجدتي السهو. فوجدت الروايات التي تروى عن طريق ابن سيرين إما أن يقف بها المحدّث حيث وقف ابن سيرين في حالة نقلها من مصدر لم يسأله, وإما أن يرويها بإضافة جواب ابن سيرين عندما يُسأل فتكون مثلاً “فقيل لمحمد, ثم سلم؟ فقال لم أحفظه عن أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلم” أو “لم أسمعه من أبي هريرة ولكن نُبئت أن..” أو “…ليس في حديث أبي هريرة” وعجبت من حرص ابن سيرين البالغ, على التأكيد أنه لم يسمعه من ابي هريرة, مع علمه أن أبا هريرة ربما نسي أن يذكر السلام لأنه ذكره لغيره, ثم يحرص كل محدّث مثل أبي داوود والبخاري ومسلم وغيرهم أن ينقلوا هذه الإضافة كما هي. والأحاديث تزخر بمثل هذه التوضيحات الصغيرة التي أصبحت بصمة وسمة من سمات الحديث..

هؤلاء المتفانون والذين يروْن حرمة الحبيب المصطفى, وأهمية ما يقوله وأهمية أن يصل هدْيُه إلى الناس صادقاً هم أصحاب الصحيح من رواةٍ ومحدّثين, وهم الذين شكّلوا هذا اللون الفكري الفريد من نوعه بهوسه بالدقة والأمانة, والذي لا يوجد له مثيل في أيّ ثقافة غير الثقافة الإسلامية.

والآن عندما نفتح كتاباً من كتب الحديث لنجد جواباً لمسألةٍ ما أو من أجل محض إطلالةٍ على مجتمع النبيّ صلوات الله وسلامه عليه فكثيراً ما نغلق الكتاب بعدها من دون أن نشعر بامتنان او تقديرٍ لصاحب الكتاب. لقد اشترينا الكتاب بقليل من النقود أو اطلعنا عليه مجاناً في الشبكة, ولكن ما بال من قطع أميالاً على ظهر دابةٍ في أيامٍ حارةٍ أو أيامٍ باردة, في ظلمة ليلٍ أو تحت شمسٍ محرقة.. كم سهر وكم مضى عليه من السنين وهو يجوب البلاد من خراسان أو سمرقند إلى بغداد إلى الكوفة إلى الشام إلى المدينة إلى مصر وما هو أبعد من ذلك أو أقرب, يحدّد مساره وجودُ شيخٍ محدّث في هذه المدينة أو تلك.. وكم تعرض للأذى وكم  رَدّ من مناصب وفرصٍ للثراء من أجل أن يجمع رواياتٍ عن سيرةٍ هي أعطر السير ويعيش وفق هَدْي صاحبها.

وفي سبيل ذلك أوذي المحدّثون وربما قُتلوا, فهذا الإمام مالك يُجلد وتُخلع ذراعه, وهذا الإمام أحمد يُسجن ويعذب وهذا الإمام البخاري تحاك له المكيدة ويُخرَج من دياره مرّتين ويألم حتى يدعو ربه أن يقبضه إليه. ولكن ابتلي الأنبياء قبلهم وكثيرٌ من الصالحين وزلزلوا, ثم ماذا حدث؟ بقي الحق وزهق الباطل. فهذا موطّأ مالك وهذا مسند أحمد وهذا صحيح البخاري وتواريخه وبقية كتبه لا تزال كالمصابيح بين أيدينا تحمل عطر السيرة المباركة.

وحتى الآن وفي هذا العصر تأتي التساؤلات الحمقاء.. تسعون ألف حديث, وأكثر؟ وهل عاش النبي ألف عام ليخرج منه كل هذا الكلام؟ وهنا أتذكر الشعرواي رحمه الله عندما قال ما معناه “ما ظنّكم برجلٍ لو قال شيئا فهو حديث ولو سئل عن شيء فأجاب فهو حديث ولو سئل عن شيء فسكت فهو حديث ولو أكل شيئاً فهو حديث ولو امتنع عن أكل شيء فهو حديث ولو رأى شيئاً فعلق فهو حديث ولو رأى شيئاً فلم يعلق فهو حديث, ولو…”.

إنها حياةٌ كاملة حاول المحيطون به جهدهم ألا يفوتهم منها شيء, فهم الذين شهدوا كراماته واستجابة دعواته, ورأوا الماء ينبع في القدح من بين أصابعه حتى ارتوى آخرهم, فكيف لا يرصدون كل حركاته وسكناته, وكيف لا يشعرون أنّ كل ذلك يجب أن يسجل ويبقى لمن سيأتي بعدهم بألف عام أو يزيد؟

وقد نسخر من أسمائهم وألقابهم وجوعهم؛ أبو هريرة؟! ما معنى حبّان؟ ومن يسمي ولده جويرية؟! ولكن كل هؤلاء وأولئك الذي قطعوا المسافات وعطشوا في الصحارى لهم فضلٌ علينا عظيم ويستحقون منا التقدير. ولو كان الأمر بيدي لخصَّصت يوماً في كل عام لتكريم أصحاب الحديث, الذين مدّوا أيديهم إلينا فاجتازوا بنا الألف عام إلى الحبيب المصطفى..

دلال خليفة

 

نشر في مجلة أعناب, عدد يناير 2017

   
دلال خليفة، كاتبة روائية ومسرحية وقاصة من قطر، الموقع الرسمي الوحيد.

Delal khalifa, Qatari novel, short story and play writer. This is her official website.

التعليقات المقدمة: 2
   
  1. مريم عبدالله

    مقال رااائع ومؤثر جدا .. هناك عبارات تحاكي مشاعري بالفعل حين أقرأ لابنائي أحاديث الرسول ، أبكي وأتعجب وأضحك وأشعر أحيانا أنه يصعب عليهم فهم انفعالاتي تلك .. والآن يمكنني أن أقرأ لهم مقالتك وأتوقع أنها ستقرب لهم فهم الأمر .. شكري وتقديري لقلمك لا حرمنا الله أياه ..

    Reply
    1. Delal Khalifa Post author

      أشكرك جداً على رأيك القيّم. انفعالاتك وأنت تقرأين الحديث مألوفة جداً لدي. أفهم ما تعنين تماماً عزيزتي. إننا نحب نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم ونحب مجتمعه. يوما ما سيشعر صغارك إزاء الحديث ما نشعر به بإذن الله..
      تحياتي

      Reply
   
   

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


كافة الحقوق محفوظة @ 2013 Site designed, developed & maintained by: DoubleDotMedia Inc.